الأربعاء، 2 فبراير، 2011

التشابه اللامتناهي بين الأنظمة القمعية


بعد ظهر اليوم انطلقت مسيرة لـ"مؤيدي مبارك" كما صورها الإعلام. إلا أن هذه المسيرة تميزت عن المظاهرات الشعبية التي امتدت منذ الثلاثاء الماضي بميزة مريبة: لقد كانت السمة الغالبة للمشاركين في هذه المسيرة من الرجال في أعمار تتراوح بين العشرينيات والاربعيانيات، ركبوا فيها الجمال والخيول وتسلحوا بالهراوات. رغم زيهم المدني، إلا أنه مما لا شك فيه أن المشاركين في هذه المسيرة في يحملون "بروفايل" رجل الأمن في سنهم، وجنسهم، ومطيتهم، وعتادهم.

لم تعدني هذه الأحداث إلى أمر غريب كنت شاهداً عليه قبل عشرة أيام تقريباً، سوى بعد أحداث رام الله مساء اليوم. فحين تظاهر عشرات الشباب الفلسطينيين مساندين لإخوانهم في مصر، وما كان من الشرطة إلا أن اعتدت على المتظاهرين واعتقلت بعضهم.

المشهد الذي عادت اليه ذاكرتي كان لعشرات من الرجال يرتدون زياً مدنياً، خارجين من موقع للأمن الوطني الفلسطيني في رام الله، يحملون الأعلام واللافتات في مظاهرة "دعم وتأييد لعباس والسلطة الفلسطينية." كان المنظر غريباً، فالمظاهرات، في كل بلدان العالم، تكون وسيلة الشعب في التعبير عن نفسه وإيصال رسائله ليأخذها النظام في حسبانه، والمعتاد أن تكون هذه المظاهرات مناهضة لسياسات أو مواقف حكومية معينة. أما مسيرات التأييد، فهذه لا يسمع عنها، في العادة، إلا في بلداننا. وسبحان "مسير الأحوال" الذي يجعل رجال الأمن يخرجون في مسيرات تأييد لمن يدفع رواتبهم.

لأن الشيء بالشيء يذكر، فقد ذكرني قمع المظاهرات المصرية بقمع التظاهرات الفلسطينية (طبعاً مع معرفتي بالفارق الكبير في اسلوب القمع المتبع). وزاد من قلقي على المسار الذي نتجه فيه تذكري لمسيرات رجال الأمن. فهذه لم تكن المرة الأولى التي يندس فيها رجال الأمن في أنشطة المجتمع المدني، وكلنا يذكر العناصر التي خربت اجتماع قوى المعارضة العام الماضي.

لا أعتقد أن التوجه القمعي في أجهزة السلطة قد وصل إلى ما كان (ومازال) يحصل في مصر. ولا أعتقد أن المواطن العادي (حتى هذه اللحظة) يتوقف عند مثل هذا القمع. لكن استمرار الأجهزة الأمنية في التعدي على الحريات السياسية والمدنية بهذا الشكل سيفرز بلا شك نظاماً مشابهاً للنظام المصري، وسيؤدي، في النهاية، إلى ذات النتائج التي نراها، ولو بعد حين.

الاثنين، 17 يناير، 2011

شكراً تونس


شكراً تونس، فقد تعلمنا أخيراً معنى كلمات ابنك "إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر". تفاجأنا أن الشعب يمتلك من القوة ما يجعل كل رصاص الأرض يرتعد خوفاً وما يجعل الطاغية ضعيفاً وإن احتمى بآلاف المرتزقة.

تعلمنا أن الثورة تكمن في عقول الناس. وأن الثورة تحتاج فقط إلى أمران رؤية واضحة وتصميم. هذا ما كان في تونس. رؤية واحدة "خبز وماء وبن علي لأ" وتصميم لم ينثني حتى أمام إغراءات الديكتاتور ووعود زائفة بحرية ومساواة ومحاسبة للفاسدين.

على مدى ما يقارب الشهر كانت بذور الثورة تنتشر في كافة انحاء البلاد، والمجنون بعظمته لم ينتبه أن ما يجري ليس مجرد مظاهرات عادية تندد بغلاء الأسعار أو تحمل مطالب هامشية. لم يرى بن علي أن تلك المظاهرات اصبحت منذ أسبوعها الأول تضم اضافة إلى العاطلين عن العمل، المهنيين من محامين وقضاة وصحافيين. وفي غياهب جنونه قام بإلقاء خطابه الأول الذي وصف فيه المتظاهرين بأن لهم أجندة خفية تدفعهم للعبث بأمن تونس واقتصادها، ناسياً، أو غير آبه، إلى أن لا أجندة خفية قد تدفع شاباً متعلماً لحرق نفسه على الملأ.

ثم جاءت الموجة الثانية من التظاهرات بشكل أعنف، وأكثر رخماً. ومرة أخرى راوده جنونه عن نفسه وفسر الأمر على أنه تحالف شرير بين قوى يسارية وأخرى إسلامية تسعى إلى زعزعة الاستقرار في البلاد. ووعد شعبه بالقمع، و300 ألف وظيفة. لم يأبه الشعب المحبط من الوعودات، كسائر إخوانه في الدول العربي، بكلام الجرائد، واستمر في ثورته.

استمرت المظاهرات، حتى طلع الرئيس بخطاب الاستسلام. "أنا فهمتكم" قال، بدري عليك 23 سنة وأنت تسرق في البلد والآن فهمت؟ بس الشعب كان عنده كلمة واحدة "بن على لأ". ولأن الشعب أقوى، الشعب انتصر.

من الممكن أن لا تسير الأمور كما أتمنى لها أن تسير. اليوم تم الإعلان عن حكومة جديدة تضم رموزاً كان الأولى استبعادهم من الحكومة السابقة (بالتحديد وزراء الداخلية والدفاع والمالية) لكن في ظل الوضع القائم، أتمنى أن تتمكن الحكومة (وأن تكون لديها الإرادة اللازمة) من إجراء انتخابات ديمقراطية وحرة، والأهم أن تتمكن كافة القوى الديمقراطية من المشاركة في تلك الانتخابات.

علمتنا تونس معنى الثورة. علمتنا أيضاً معنى القوة، وعلمتنا كذلك أن الاحتلال لا يحتاج لأن يكون أجنبياً ثد يلبس الاحتلال جلدتنا ويحاربنا، بل وقد يكون أكثر وحشية من الاحتلال الأجنبي.

الأربعاء، 10 نوفمبر، 2010

نور العقل

قام جهاز المخابرات العامة الفلسطيني باعتقال الشاب وليد الحسيني من مدينة قلقيلية، الأسبوع الماضي. وذكرت الأنباء الواردة من مصادر محدودة أن الشاب اعتقل على خلفية كتابات كان نشرها على مدونة نور العقل على الانترنت. تبين لي من الأقاويل المتواترة عن من يعرفون الشاب وسكان المدينة أنه يتعرض للتعذيب في سجون المخابرات بناء على هذه "التهمة". الأجهزة الأمنية لم تتطرق للموضوع ولم تعلق عليه حتى الآن، وكذلك فإن كافة مؤسسات حقوق الإنسان تجاهلت الموضوع كلياً. الذكر الوحيد للقضية على المستوى المحلي على الأقل كان على شبكة معاً، ويا ليته لم يرد، فالشبكة التي تطرح نفسها رائدة للإعلام المستقل المحلي فتحت الباب لعشرات التعليقات التي لا يمكن تصنيفها سوى في فئة رسائل الكراهية. حتى هذه اللحظة لم نجد أي شخص يتحرك دفاعاً عن وليد الحسيني.

وليد شاب يفكر بطريقة مختلفة. أو بالأحرى هو شاب مختلف لأنه يفكر، ولأنه يمتلك الجرأة ليطرح أفكاره على الملأ دون أن يستتر وراء أسماء مستعارة. يستخدم وليد مساحة على الانترنت ليدلي بأفكار حول الإيمان والأديان. أفكار تختلف عما يتفق عليه الأغلبية من المجتمع لكنها بلا شك أفكار تستحق الوقوف عندها. يعنون مدونته على أنه "نقد عقلاني للأديان"، ويستغرق في هذا نقد مؤكداً " أنا أحاول أن أكتشف الحقيقة, لا أن أحرف الحقيقة لكي تكون في صالحي, علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا قبل أن نجاوب على تلك الأسئلة, نحن لسنا في حرب ولسنا طرفين يتنازعان والبقاء للأقوى.. اذا استطاع احد ما أن يبين أن منهجي خاطئ فلن أحاول ان اكذبه بأساليب تافهة, ولن أحاول أن اتلاعب بالكلمات لكي اثبت وجهة نظري, ففي النهاية نحن نسعى وراء نفس الهدف انا لست عدواً للمسلمين ولا للإسلام, ولكني في عبارة أصح, لست أعز صديق لهم, هجومي على الإسلام لا يعني انني حاقد عليه, ولكني ببساطة اصابني اليأس من رؤية العالم ينهار بسبب الأديان, والمفارقة العجيبة انه عندما تسأل شيخاً مسلماً عن اسباب انهيار اوضاعنا سيجيبك وبكل ثقة : انه بسبب البعد عن الله يا بني لذلك عزيزي المؤمن, عليك بإستخدام عقلك وعدم الإتكال على من يحرف لك المعاني ليرضيك, ولا أعتقد انك سترضى بحقيقة مشوهة ومحرفة تحريفاً واضحاً, واتمنى ان تكون من النوعية التي تبحث عن الحق, ولست من النوعية التي تبحث فقط عما يؤيد ما تعتقد انه الحق."

هذا فعلاً كل ما يفعله وليد. إنه لا يحاول أن يعتدي على أحد، ولا يتطاول على أحد (رغم أن الكثيرون يعتبرون إبداء الرأي المخالف لرأيهم تطاولاً). وليد يعلن أنه ليس عدواً للإسلام، ولكن الكثيرين اختاروا أن يعادوه بدل أن يحاوروه. كنتيجة لذلك فهو ملقى خلف السجون، ومنبوذ من الجميع لأن التعبير عن الرأي وحرية التفكير هما رفاهيتان لا نستحقهما في مجتمع مقموع كمجتمعنا. فنحن مرغمون على احترام كافة الروايات الدينية الصحيحة والضعيفة، العقلانية والساذجة لكننا نتفاجأ حين يخرج من بين صفوفنا من يوقفنا ليقول لنا: "هناك ما لا يقبله العقل في هذا الذي تدعون إليه." حتى وإن اختلفتم مع وليد، أو معي، فلا بد أن يكون لدينا الحق أن نعبر عن ما نعتقده، وأن نؤمن (أو لا نؤمن) بما يتفق وعقلنا.

ما جرى مع وليد، أولاً وقبل كل شيء اعتداء على أهم حقوق الأنسان: الحق في المعتقد والحق في التعبير. ولو تمتع البعض بالجرأة لوقفوا في وجه هذا الاعتداء تماماً كما يقفون ضد الاعتقالات السياسية.

ما جرى مع وليد هو اعتداء على القانون: فليس من حق جهاز المخابرات أن يعتقل شخصاً بناء على عقيدته. وليس من حق الحكومة تعذيب السجناء، ومن حق السجناء أن تتوفر لهم معرفة تامة بلائحة الاتهام الموجهة لهم، ومن حقهم الحصول على الدفاع القانوني اللازم... لا أدعي أني على علم بكافة تفاصيل الحادثة لكنني متأكد أن العديد من هذه الحقوق خرقت في عملية الاعتقال.

ما جرى مع وليد هو اعتداء على عقولنا. هو ترسيخ لمفهوم مسيطر في كافة المجتمعات العربية أن هناك "ولي أمر" تماماً كما في المدارس. وولي الأمر هذه بيده أن يمنعنا من أن نتصرف كما نريد لأنه يعرف "مصلحتنا"، وبالتالي فله الحق في أخذ الإجراء الذي يراه مناسباً. تماماً كما أن حماس تمنع النساء من تدخين الأرجيلة لأنها، كولي أمر، مقتنعة أن هذا ليس في مصلحتنا ولذلك يجب أن يوقف عند حده كل من لا يعرف مصلحته.

ما جرى هو أيضاً تآمر. فقد تآمرت الحكومة، والشعب والإعلام عليه لوضعه في خانة الخارج عن الصف الوطني والأخلاقي، رغم أنه في حقيقة الأمر لم يخرج عن هذا الصف إلا في محاولاته الفكرية التي عادة من نتجنبها.

المؤلم فيما جرى، أن الإعلام يعرضه "كنجاح للأجهزة الأمنية". هذه الصياغة جعلتني أشعر أن هناك خلية سرية تقوم بدس الدسائس للمواطنين ونجحنا في تفكيكها. لم يخطر ببالي أن الموضوع يدور عن شاب يستخدم الانترنت للتعبير عن رأيه.

المزعج أيضاً أن يخرج علينا رئيس الوزراء في نهاية الأسبوع ليحدثنا عن رفض فكرة التعذيب وضمان حقوق الانسان بما فيها الحق في التعبير عن الرأي. هذا الخطاب، في هذا السياق، أعادني لكتاب جورج أورويل "1984"، حيث يكذب الناس ما يروه بأم أعينهم ويصدقون فقط ما ترويه لهم الأجهزة الرسمية.

أنا ضد الإسلام السياسي، لكن عندما تقوم أجهزة الأمن باعتقال الصحفيين والأكاديميين، والأفراد على خلفية انتمائهم لهذا التيار، فأنا أعبر عن معارضتي لهذا الإجراء. وعنما تمنع الأجهزة الأمنية مسيرات ومؤتمرات حزب التحرير، أنتقد هذا التدخل. مواقفي هذه لا تأتي دفاعاً عن أفكار المعتدى عليهم، وإنما دفاعاً عن مبدأ مهم، تعلمناه في الجامعات: "قد اختلف معك في الرأي، لكنني أدفع عمري كي أسمعك." فهل هناك من هو مستعد لأن يدافع عن حق شخص في التعبير عن آرائه؟ حتى لو اختلفتم معه في الرأي؟ هذا هو مقياس الذي يحدد إن كنا نحترم الحريات أو نتشدق باحترامها.

الأربعاء، 31 مارس، 2010

كل عام وأرضكم بخير


كل عام وأرضكم بخير


في هذا الوقت من العام بالتحديد تعتري الأرض خصوبة ذات إغوءه أخاذة ولا يحتمل الأمر من الناس إلا أن يخرجوا ليستمتعوا بهذا الجمال البهي للأرض. وأما الخير الذي يجلبه هذا الوقت لأجله تنتشي النفوس وتهم السواعد لتداعب الأرض ويتعزز عاما بعد عام الارتباط بالأرض فيصعب على الإنسان أن يمر عليه عام دون أن يمارس الحب مع معشوقته الأم.

لا أذكر بأن عاما مضى دون أن تتكاثف فيه الدعوات في الثلاثين من آذار لخروج الفلسطينيين لزراعة الأرض أو للقطاف أو لزيارتها على الأقل. وذلك تعزيزا لقيمة الارتباط بالأرض وتخليدا لذكرى من هبوا يوما في أصعب الظروف لمواجهة الغاصب الاسرائيلي الذي قرر بأن يصادر الأرض ويطرد أصحابها الفلسطينين عنها مقتلعا بذلك الإنسان والعلاقة التي تربطه بأرضه. إنه لمن الدناءة ومن الذكاء أيضا أن يستخدم الاسرائيليون ذلك السلاح ضد الفلسطينيين. لا يبدو ذلك غريبا أبدا وخاصة بأن إحدى أولى الأمور التي عمل المحتل الاسرائيلي على بنائها إبان إنشاء" الدولة اليهودية" هو "الكيبوتس" أو التجمع السكاني الذي يضم مجموعات من المزارعين والعمال اليهود المهاجرين من عدد من البلدان المختلفة ولا تجمعهم صفة أو تقاليد موحدة. وقد أثرت هذه التجمعات بشكل ايجابي وجوهري في بناء ما يسمونه الدولة لأن انتاجه لم يقتصر على المحاصيل بأنواعها وأشكالها بل أيضا أنتج العقلية والهوية الاسرائيلية المعاصرة التي يؤمن أبناؤها بأنهم يعيشون على أرضهم التي تعتبر حقهم ليس فقط تباعا للرواية التاريخية بل أيضا تبعا للممارسة والعمل في هذه الأرض.

تحققت الأهداف بأن ينتزع الفلسطينينون من أرضهم ويصادرها الاسرائيليون ولكن ذلك لم يمنع الفلسطينين على مدى العقود الماضية بأن يخرجوا في مناسبة يوم الأرض التي أظن الجميع على علم بقصتها، على الأقل لإحياء ذكرى الأبطال الذين سقطوا مقابل رفضهم التفريط بالأرض.


إلا أن هذا العام حمل معه في هذا اليوم صعقة كبيرة بالنسبة إلي، حيث أن مناظرة انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت عقدت في يوم الأرض أي الثلاثين من آذار، لا أدري إن كان هذا أمرا مدبرا أم أنه مجرد صدفة محضة. وفي الحالتين لا يمكن تجاوز الموقف واعتباره شيئا عاديا. إن دورالأحزاب ولجان العمل التطوعي الطلابية في جامعة بيرزيت على وجه الخصوص معروف ومشاد به عبر السنوات الماضية فقد كان لهذه الحركة دورها البارز في توجيه وقيادة المجتمع والحالة الفلسطينية إلا أن طلاب الجامعة كانوا منشغلين في تقاذف التهم التي لا تعني الطلاب أو مشكلاتهم بل تعني المصالح الشخصية البحتة لأغلب الأبواق التي تصدح في ميدان الجامعة فقط. اليوم يغيب دور طلاب جامعة بيرزيت ورؤساء الكتل والأحزاب الممثلة داخل الجامعة في تعزيز مفهوم الارتباط بالأرض لا بل يمكن أن نقول أيضا بأنه لم يكن هناك أي استجابة أو تفاعل في هذا اليوم، وكأن الخطر الذي شعر به الفلسطينينيون في 1976 وأدى إلى الهبة الجماعية لم يعد موجودا وانغمسنا في فرديتنا من جديد ليصبح كل منا مسؤولا عن وقف الوحش الاسرائيلي عن التهامه، مع أننا اليوم في ظرف لا نحسد عليه والمصادرة للأراضي الفلسطينية تجري على قدم وساق.


لم يخل يوم الثلاثين من آذار، حمدا وشكرا، من مجموعة من الاجانب الذين شاهدتهم في الصباح وأنا ذاهبة إلى عملي منطلقين لغرس شتلات من الزيتون في قرية الجيب.


الجمعة، 12 فبراير، 2010

من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر

جنس، كذب، وأشرطة فيديو. من الممكن أن تذكرنا هذه الكلمات بأحد الأفلام الأميركية من القرن الماضي، لولا الفوضى التي أحاطت في البلاد في الأيام الأخيرة والتي تحمل في ثناياها جنساً وكذبا وأشرطة فيديو ضمن مجموعة أخرى من الوثائق.
إن تكوين وجهة نظر عن هذه القضية ليس بالأمر السهل نظراً لتعقيداتها فهي تشمل تصوير رفيق الحسيني، مدير ديوان الرئيس، يستعد لممارسة الجنس مع امرأة مجهولة الهوية. كذلك تشمل القضية، ضابطاً من المخابرات يسلم وثائق سرية إلى قناة اسرائيلية ومعلومات حول قضايا فساد بملايين الدولارات. أما أهم ما في القضية فقد كانت ردود الفعل التي حركتها في المجتمع الفلسطيني. لوضع رأي حول هذه القضية لا بد من تحليل كل عنصر على حدىً.
في البداية، لا بد من النظر بعين ناقدة على أساس هذه الفضيحة. فشريط الفيديو الذي يظهر الحسيني ليس حدثاً معزولاً بل يعد أسلوباً كلاسيكياً كانت أجهزة المخابرات الفلسطينية قد ورثته عن نظيرتها الإسرائيلية. من المعروف أن محاولات الإسقاط للتعامل مع المخابرات الإسرائيلية اعتمدت على تصوير أشخاص عند ممارستهم للجنس مع فتاة واستخدام هذا التصوير في عملية ابتزازهم. وقد قامت الأجهزة الأمنيةالفلسطينية باعتماد هذا الأسلوب مع العديدين. واستولت حماس عند احتلالها لمقار الأجهزة الأمنية على العديد من هذه الأشرطة.
إن ما يفعله أي شخص في حياته الخاصة ليس من شأن أي شخص آخر، حتى لو كان هذا الشخص مسؤولاً رفيعاً وحتى لو كان الفعل ممارسة جنسية. إن مثل هذه الممارسات تنتشر في أكثر المجتمعات محافظة ولذلك من المعقول الاعتقاد أن العديدن ممن خرجوا ينتقدون مثل هذا التصرف على مسؤول رفيع قد قاموا بمثل هذا العمل بأنفسهم وكما يقول المثل "اللي بيتو من قزاز ما برمي الناس بحجار".
إن انتهاك أجهزة المخابرات للحاية الخاصة للمواطنين بهذا الشكل فيستدعي وضع ضوابط على عمل هذه الأجهزة بما يمنع مثل هذه الانتهاكات. أما بالنسبة للمشؤول، فله الحرية أن يقرر مصيره السياسي، فإن كان لا يرى حرجاً في ما فعل، فعليه أن يستمر في عمله. في نهاية الأمر لا تظهر هذه الأشرطة أي عمل غير قانوني من طرفه.
الأمر المحزن في كل الموضوع هو نسيان الجزء الذي يتعلق بالجرائم الحقيقية. التقرير الذي بالمبالغ المالية الكبيرة التي تقاضاها بعض الأفراد المتنفذين في السلطة. الحديث يدور هنا عن مبالغ بملايين الدولارات، ويظهر في التقرير اسم واحد في هذه القضاية هو اسم عاطف علاونة أحد المسؤولين السابقين في وزارة المالية والذي يرأس حالياً هيئة سوق رأس المال. حتى هذه اللحظة لا يمكن الجزم بصحة الوثائق ومدى قدرتها على اثبات أية تهم، لكن خطورة التهم التي تظهرها مثل هذه الوثائق تجعل من الضروري إحالتها للقضاء ومحاكمة المسؤولين الذين تظهر أسماؤهم محاكمة عادلة. هذا هو الأمر الوحيد الذي من الممكن أن يعيد الثقة في قيادة السلطة.
إن عدم الاهتمام بقضايا الفساد وتركز ردود الفعل على العلاقة الجنسية لأحد المسؤولين يشير بلا شك إلى وضع محزن في المجتمع الفلسطيني. فانعدام الثقة بالقيادة الفلسطينية جعل المواطنين يغضون الطرف عن المبالغ والأسماء ويهتمون فقط في حملة التشهير المرتبطة بعلاقات رفيق الحسيني الجنسية. كذلك فإن ردود الفعل التي انطلقت من السلطة تشير بلا شك إلى انعدام الإرادة لمعالجة قضايا الفساد وتركز هذه الإرادة في الحفاظ على الحالة القائمة من مجموعات تنتفع من بعضها البعض والحفاظ على مثل هذا التوازن.
أما الأمر الأخير الذي لا بد من بحثه فهو إقدام أحد عناصر أجهزة المخابرات على نشر وثائق سرية باستخدام طرف إسرائيلي. إن مثل هذا العمل بلا شك يعتبر خيانة للأمانة الوظيفية على أقل تقدير. فالمعلومات التي يطلع عليها أفراد هذا الجهاز يتوجب أن تبقى طي الكتمان ولا تستخدم إلا في تحقيق الأهداف التي جمعت لأجلها. القضية الأخرى في هذا السياق هي الحماية التي يتوجب أن يقدمها القانون "لمطلقي الصافرات" حول قضايا الفساد. فالنظام الفلسطيني لم يتطور بعد ليسمح لمن يمتلكون معلومات حول قضايا الفساد بالتقدم بمثل هذه المعلومات مع الحفاظ على أمنهم الشخصي.
إن أهم ما يكمن في هذه التجربة هي الدروس التي يتوجب استخلاصها. في نظري، هذه الدروس هي:
1- وجوب وضع قواعد لعمل أجهزة المخابرات وضمان عدم تدخلهم في الحياة الشخصية للمواطنين ما لم يرتبط ذلك بقضية تتعلق بأمن الدولة. في هذا السياق لا تعتبر القضايا الجنسية والفساد قضايا تمس بأمن الدولة.
2- وجوب تفعيل عمل هيئة مستقلة وقوية في مجال الرقابة الإدارية والمالية على كافة أجهزة السلطة، على أن تجاوز عملها إعطاء العلامات (هذا هو جل ما تقوم به هذه الهيئة في الوقت الحالي- تقييم أداء على أساس سلم غامض من1-100) إلى التدقيق في العمليات والأنشطة والقضايا المالية خصوصاً للأفراد اللذين يحتلون مواقع قيادية تمكنهم من اتخاذ قرارات مالية وإدارية حساسة.
3- تقديم كل من ظهرت أسمائهم في هذا التقرير والبحث في وثائق أخرى وتقديم كل من توجد أدلة على قيامهم بأعمال غير مشروعة. لن يفلح أي شيء في إعادة الثقة إلى السلطة سوى رؤية رموز الفساد في قفص الاتهام مهما علت مناصبهم. إن صورة واحدة لمسؤول رفيع أمام محكمة تحاكمه في قضايا فساد تتصدر صفحة القدس أو الأيام أو الحياة ستفوق كل الشعارات حول مكافحة الفساد.
4- لا بد من أن تقوم السلطة بمراجعة قدرة أفرادها على حفظ الأسرار ومستوى المعلومات التي يحصل عليها أي فرد يعمل في أي مؤسسة.

السبت، 2 يناير، 2010

أم سلمونة

أم سلمونة. قرية فلسطينية إلى جنوب بيت لحم. تقع هذه القرية في وسط الكتلة الإستيطانية المدعوة غوش عتصيون مما يجعل منها هدفاً دائماً لخطط المستوطنين. هذه المرة تتعرض القرية إلى مخطط لمصادرة مساحات شاسعة من الأراضي على حدودها الجنوبية.
قام بعض المتطوعين برفع دعوى قضائية أمام المحاكم الإسرائيلية ضد قرار المصادرة حيث حكمت المحكمة لمصلحة المدعين بشرط أن سقوم "بتغيير طابع الأرض" من أرض بور إلى أرض زراعية في خلال ثلاثة أسابيع.
تمكن أصحاب الأرض من تجنيد جيش من المتطوعين للعمل في هذه الأرض بما يساهم في تغيير شكلها حتى يتسنى وقف قرار المصادرة. لأول مرة أحسست بأنني أقوم بعمل يستحق التعب من أجله. لقد كان مشهد المتطوعين من كافة الأعمار والمناطق مشهداً يبعث على الفرح. على الأقل هناك من يأبه بما يحصل لهذه الأرض ويبذل جهده ووقته في العمل من أجل التغيير.
رغم كل هذه المشاعر الطيبة، إلا أنه كان لا بد من جرعة من الغضب، التي بلا شك أعطتنا دفعة للأمام. ففي منتصف النهار جاءنا حضرة الدكتور مصطفى البرغوثي ليطمأن على سير الأوضاع. ربما يكون مصطفى شخصاً متكلماً وقادراً على طرح صورة إيجابية عن فلسطين في الخارج. لكن أداءه في الداخل مزيج من التلسق على أعمال الآخرين ومحاولات مستمرة لتجيير النضال الشعبي لصالحه دون أن يشارك فيه حتى.
وهكذا كان في ذلك النهار، يقف بأعلى التل وينظر إلى المتطوعين يعملون بجد، كما لو أنه إقطاعي يراقب عماله. ولم يخفف من هول الأمر إرساله لأحد صبيانه الذي طلب منا أن نقوم بأخذ صورة له في ذلك الموقف نظهر فيها نحن نعمل وهو يراقب أداءنا ويوجهنا. أعجبتني جرأة ذلك الشاب الذي لم يخجل من أن يصيح بأعلى صوته "جيرة عليكم تحملوا فاس وتنزلوا تساعدونا". لفرط خجله أدار وجهه وأكمل حديثه مع زبانيته وهو ينظر في الاتجاه الآخر. لا أعلم إن كان قد فهم الرسالة: أن الناس قد سئموا المحاولات المستمرة من قيادتنا السياسية لتجيير كافة أعمالنا كمكاسب سياسية لهم دون أن يأبهوا بما يحصل بنا.

الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2009

بسوي أبوها
بتعرف أديش بحبك